ابن عجيبة
256
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
غريبا ، غير أنه قال في قصة موسى : جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ * « 1 » ، وصفه بالصفة المشتقة من اليمن والبركة ، لتكليمه إياه فيه ، وحين نفى عن محمد صلى اللّه عليه وسلم أن يكون بذلك الجانب ، قال : وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ ، والغربي هو الأيمن . والعدول عنه ، في حالة النفي ؛ للاحتراس من توهم نفى اليمن عنه صلى اللّه عليه وسلم ، وكيف ، وهو صلى اللّه عليه وسلم لم يزل بصفة اليمن وآدم بين الماء والطين ! فحسن اللفظ أصل في البلاغة ، ومجانبة الاشتراك الموهم : من فصيح بديع الفصاحة . ه . أي : وما كنت حاضرا بذلك الموضع ، إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ ، أي : كلمناه ، وقربناه نجيا ، وأوحينا إليه بالرسالة إلى فرعون ، وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ، أي : من جملة الشاهدين فتخبر بذلك ، ولكن أعلمناك من طريق الوحي ، بعد أن لم يكن لك بذلك شعور ، والمراد : الدلالة على أن إخباره بذلك من قبل الإخبار بالمغيبات التي لا تعرف إلا بالوحي ، ولذلك استدرك عنه بقوله : وَلكِنَّا أَنْشَأْنا بعد موسى قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ، أي : طالت أعمارهم ، وفترت النبوة ، وانقطعت الأخبار ، واندرست العلوم ، ووقع التحريف في كثير منها ، فأرسلناك ؛ مجدّدا لتلك الأخبار ، مبينا ما وقع فيها من التحريف ، وأعطيناك العلم بقصص الأنبياء ، وأوقفناك على قصة موسى بتمامها ، فكأنه قال : وما كنت شاهدا لموسى وما جرى عليه ، ولكنا أوحيناه إليك ، فأخبرت به ، بعد اندراسه . وَما كُنْتَ ثاوِياً ؛ مقيما فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ، وهم شعيب والمؤمنون به ، تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا ؛ تقرؤها عليهم ، تعلما منهم ، أو : رسولا إليهم تتلوها عليهم بوحينا ، كما تلوتها على هؤلاء ، يريد : الآيات التي فيها قصة شعيب وقومه ، وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ لك ، فأخبرناك بها ، وعلّمناك إياها ، فأخبرت هؤلاء بها ، وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا موسى ، أن خذ الكتاب بقوة ، أو ناجيناه في أيام الميقات ، وَلكِنْ علمناك وأرسلناك رَحْمَةً أي : للرحمة مِنْ رَبِّكَ ، لِتُنْذِرَ قَوْماً جاهلية ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ في زمان الفترة التي بينك وبين عيسى ، وهي خمسمائة وخمسون سنة ، أو : بينك وبين إسماعيل ، على أن دعوة موسى وعيسى كانت مختصة ببني إسرائيل وما حواليهم ، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ؛ لعل من أرسلت إليه يتعظ ويتذكر ما هو فيه من الضلال ، فينزع ويرجع . وبالله التوفيق . الإشارة : المراد من هذه الآيات : تحقيق نبوته صلى اللّه عليه وسلم ومعرفته الخاصة ، وهي سلّم ، ومعراج إلى معرفة اللّه تعالى ؛ لأنه الواسطة العظمى ، فمهما عرفته المعرفة الخاصة عرفت اللّه تعالى ، فمنه صلى اللّه عليه وسلم استمدت العلوم كلها ؛ علم
--> ( 1 ) من الآية 52 من سورة مريم ، والآية 80 من سورة طه .